الشيخ محمد النهاوندي

121

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

فِيها فاكِهَةٌ وأشجار كثيرة تلتذّ النفوس بثمارها الطيبة وَ فيها النَّخْلُ بأصنافها ، وإنّما نكّر الفاكهة لإظهار قلّة نفعها بالنسبة إلى النخل ، أو للإشارة إلى كثرة أنواعها ، وإنّما ذكر الفاكهة دون شجرها بخلاف النخل فانّ منافعها كثيرة جدا . ثمّ نبّه سبحانه على تكميل نعمة النخل بتوصيفها بقوله : ذاتُ الْأَكْمامِ والأوعية للتمر ، فانّ في جعل ثمارها في الأوعية سهولة جمعها والانتفاع بها ، حيث إنّ النخل شجرة عظيمة لا تسقط ثمارها بهزّها ، فلابدّ من قطفها ، فلو كان حبّات ثمرها متفرّقة لصعب قطفها واحدة بعد واحدة « 1 » ، فجعله اللّه في وعاء إذا اقتطف ذلك الوعاء والكمّ اقتطف قدر كثير من الرّطب والتمر . وقيل : إنّ الكمّ بالضمّ : كلّما يغطّي النخل من ليف وسعف وغيرهما « 2 » ، فإنه ينتفع به كما ينتفع بجذوعهما . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ ( 12 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) ثمّ ذكر سبحانه بعد نعمة الأشجار نعمة الزرع ، ارتقاء من النّعمة الأنزل وهي الفاكهة والنخل إلى النّعمة الأعلى بقوله : وَالْحَبُّ من البرّ والشعير والأرز وغيرهما ممّا يقتات به أو يؤدم به ذُو الْعَصْفِ والتبن ، كما عن الرضا عليه السّلام « 3 » . وَالرَّيْحانُ قيل : إنّ الريحان هنا بمعنى الرزق ، كما عن ابن عباس « 4 » . وقيل : إنّه الحبّ المأكول « 5 » . وقيل : إنّه كلّما طابت رائحته من النباتات « 6 » . وقيل : هو الريحان المعروف ، فانّ بزره من الأدوية النافعة ، فالعصف علف الدواب والريحان دواء الانسان « 7 » . ثمّ إنّه تعالى بعد تعداد نعمه طالب من الثقلين الإقرار بنعمه والشّكر عليها بقوله تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أيّها الجنّ والانس ، وبأيّ النعم الظاهرة والباطنة التي أنعم عليكما مالككما ومربّيكما تُكَذِّبانِ وتكفران ؟ عن الصادق عليه السّلام - في تأويل الآية - « فبأيّ النّعمتين تكفران ؟ بمحمد صلّى اللّه عليه وآله أم بعلي عليه السّلام » « 8 » . وفي رواية ( الكافي ) : « أبا لنبي ، أم بالوصيّ » « 9 » . عن جابر ، أنّه قال : قرأ علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سورة الرحمن حتى ختمها ، ثمّ قال : « مالي أراكم سكوتا ؟ فانّ الجنّ أحسن منكم ردّا ما قرئت عليهم هذه الآية مرة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلّا قالوا : لا بشيء من نعمك ربّنا نكذّب ، فللّه الحمد » « 10 » .

--> ( 1 ) . في النسخة : واحدا بعد واحد . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 8 : 178 . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 344 ، تفسير الصافي 5 : 108 . ( 4 - 5 - 6 ) . تفسير روح البيان 9 : 292 . ( 7 ) . تفسير الرازي 29 : 94 . ( 8 ) . تفسير القمي 2 : 344 ، تفسير الصافي 5 : 108 . ( 9 ) . الكافي 1 : 169 / 2 ، تفسير الصافي 5 : 108 . ( 10 ) . تفسير روح البيان 9 : 293 ، وفيه : فلك الحمد .